لعل هذا المثال هو الأكثر وضوحا على سوء فهم الكثيرين من المسلمين للقران ومعانيه، وربما كان من اخطرها أيضا إذ انه يتعدى (عن قصد أو فهم أو دون قصد أو فهم) إلى التحريف في النص القراني. تروي لنا السطور التالية التفاصيل المتعلقة بالموضوع في حوار جرى بيني وبين احد المعارف السابقين التقيت به في المسجد:
هو ليس إمام المسجد ولكنه صلّى بنا صلاة الفجر. سألني عن عملي فقلت له أنني تركت العمل وتفرغت للعباده. فسال: ومن أين تصرف على نفسك وعيالك؟ أجبته: الرزق على الله والحمد لله رب العالمين المتكفل بالرزق. فقال لي: لكن العمل عباده. أجبته بأن هذه العبارة ليست في كتب الدين. قال لي: إن ديننا دين عمل. قلت له وأيضاً هذه غير موجوده. قال القران يحض على العمل في الآية: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم". قلت له إن هذه الآية في سورة التوبة التي تحدثت عن المنافقين. والخطاب هنا استكمال لما ورد في الآية التي سبقتها من أن الله يقبل التوبة عن عباده. والعمل في هذه الآية لا يعني الوظيفة، وإنما يقصد بلفظ "اعملوا" توجيه التحذير للمنافق بان الله مطلع على أعماله وسيحاسبه عليها، وان الأولى له أن يتوب.
قال لي عندها إن الله هو الذي طلب منا أن نسعى إلى الرزق. فقلت: كلام الله موجود في القران، فأين ورد ذلك؟ رد علي: الله يقول "فاسعوا في مناكبها". سألته ثلاث مرات واكد لي ثلاثا بان هذا اللفظ موجود في القرآن، وإن لم يستطع أن يحدد لي الموضع. قلت له لعلك تقصد الآية في سورة الملك، وقرات عليه من المصحف قوله تعالى في الآية 15:
... فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ...
أُسقط في يده عندما اتضح له أن عبارة "فاسعوا في مناكبها" وتنسب إلى الله للحث على العمل والسعي في طلب الرزق ليس لها وجود في القران. حاول إنقاذ مفهوم السعي في الآية وإن لم يسعفه اللفظ، فقال: لكن الآية تقول "وكلوا من رزقه". فشرحت له معنى الآية على وجه التقريب وذلك بالقول: أن الله ذلل الأرض لنا بتسهيل العيش عليها والتنقل فيها والاستفادة من مواردها، وأن الآية طلبت المشي والسفر في الأرض، وطلبت منا أن ناكل من (وليس أن نسعى إلى) رزق الله الذي تكفل الله لنا به وهو موجود وجاهز لنمد ايدينا ونتناوله، وأننا سنرجع إلى الله بالبعث للحساب على التطبيق العملي لمعنى الآية. هذا المعنى من بسط الأرض وتمهيدها وتثبيتها وتسهيل التنقل عليها ليسهل علينا العيش عليها والتنقل في أرجائها موجود في الآيتين 19 و 20 من سورة نوح على النحو التالي:
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلا فِجَاجًا
وللتخفيف من وطأة الموقف عليه قلت: بما أنك متأكد من أن كلمة "فاسعوا" موجودة في القران فإنها فعلا وردت في سورة الجمعة، وقرأت عليه الآية دون النظر إلى المصحف، فقلت: يا أيها الذين امنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى "رزق" الله. عندها اعترض وقال: إلى "ذكر" الله. فأعدت عليه الآية مرددا كلمة "رزق"، لكنه صححني مرة أُخرى. فقلت: أليس هذا هو المعنى الذي تحاول إثباته بعبارة "فاسعوا في مناكبها"؟ فلو كان القران يؤيد عبارتك هذه، لكانت الآية وردت بالنص الذي اقترحته أنا عليك. والصحيح هو أن نص الآية 9 من سورة الجمعة:
... فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ...
وقد تكرر هذا الموقف بهذا المعنى مرات عديدة مع من تحدثت معهم في أماكن ومناسبات مختلفة، أجمعوا فيها زرافات ووحدانا، على أن عبارة "فاسعوا في مناكبها" وردت في القران. وسمعت هذا القول حتى من إحدى الأخوات التي قالت أنها تحفظ كتاب الله. ومنهم من تابع سيره في الطريق الخطأ بان نسب إلى الله القول: إسعى يا عبدي وأنا بسعى معك، وهذا تعبير ليس له اصل في الدين، فالله هو الرزاق وليس هو بالساعي.
نخلص مما تقدم إلى أن بعض المسلمين قد ادخلوا في مخيلتهم القرآنية كلاما ما هو بكلام الله وان وسوسة الشيطان قد ترسخت لدى البعض منهم إلى درجة الإيمان. والنتيجة الأخرى هي أن مفهوم السعي في ما ورد أعلاه من القران يرتبط بالذكر ولا يرتبط بالرزق. ومن المؤكد أن الحكمة تقتضي بأن لا نقف عند هذا الحد، بل نمضي لنستطلع معاني كلمة "السعي" وتصريفاتها في مواضع مختلفة من القران وردت فيها.
وجدت في المراجع أن عدد الكلمات هو 18 وعدد الكلمات الكلي للجذر "سَعَي" هو 30 وردت في القران على النحو التالي:
السَّعْيَ: الصافات/ 102
= فَلَمَّا بَلَغَ مَعَه السَّعْيَ قَالَ يَا بنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحكَ فَانظرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تؤْمَر سَتَجِدنِي إِن شَاء اللَّه مِنَ الصَّابِرِينَ
تَسْعَى: طه/15/20 /66 (ثلاث مرات)
=إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَاد أخْفِيهَا لِتجْزَى كلّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى
=فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى
=قَالَ بَلْ أَلْقوا فَإِذَا حِبَالهمْ وَعِصِيّهمْ يخَيَّل إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى
سَعَوْ: سبأ/5
= وَالَّذِينَ سَعَوْ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أوْلَئِكَ لَهمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ
سَعَوْا: الحج/51
= وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أوْلَئِكَ أَصْحَاب الْجَحِيمِ
سَعَى: البقرة/205 النجم/39 النازعات/35 (ثلاث مرات)
= وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيفْسِدَ فِيِهَا وَيهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّه لاَ يحِبّ الفَسَادَ
= وَأَن لَّيْسَ للإنسَانِ إِلاّ مَا سَعَى
= يَوْمَ يَتَذَكَّر الإنسان مَا سَعَى
سَعْيًا: البقرة/260
= وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصرْهنَّ إِلَيْكَ ثمَّ اجْعَلْ عَلَى كلِّ جَبَلٍ مِّنْهنَّ جزْءاً ثمَّ ادْعهنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
سَعْيَكُم: الليل/4
= إِنَّ سَعْيَكمْ لَشَتَّى
سَعْيَهَا: الإسراء/19
= وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهوَ مؤْمِنٌ فَأولَئِكَ كَانَ سَعْيهم مَّشْكوراً
سَعْيَهُ: النجم/40
= وَأَنَّ سَعْيَه سَوْفَ يرَى
سَعْيُكُم: الإنسان/22
= إِنَّ هَذَا كَانَ لَكمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيكم مَّشْكوراً
سَعْيُهُم: الإسراء/19 الكهف/104 (مرتان)
= وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهوَ مؤْمِنٌ فَأولَئِكَ كَانَ سَعْيهم مَّشْكوراً
= الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيهمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَهمْ يَحْسَبونَ أَنَّهمْ يحْسِنونَ صنْعاً
فَاسَعَوْا: الجمعه/9
= يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنوا إِذَا نودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجمعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَروا الْبَيْعَ ذَلِكمْ خَيْرٌ لَّكمْ إِن كنتمْ تَعْلَمونَ
لِسَعْيِهَا: الغاشية/9
= لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ
لِسَعْيِهِ: الأنبياء/94
= فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهوَ مؤْمِنٌ فَلا كفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَه كَاتِبونَ
وَسَعَى: البقرة/114 الإسراء/19 (مرتان)
= وَمَنْ أَظْلَم مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يذْكَرَ فِيهَا اسْمه وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهمْ أَن يَدْخلوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لهمْ فِي الدّنْيَا خِزْيٌ وَلَهمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
= وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهوَ مؤْمِنٌ فَأولَئِكَ كَانَ سَعْيهم مَّشْكوراً
وَيَسْعَوْنَ: المائدة/33 /64 (مرتان)
= إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يحَارِبونَ اللّهَ وَرَسولَه وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يقَتَّلواْ أَوْ يصَلَّبواْ أَوْ تقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجلهم مِّنْ خِلافٍ أَوْ ينفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهمْ خِزْيٌ فِي الدّنْيَا وَلَهمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
= وَقَالَتِ الْيَهود يَد اللّهِ مَغْلولَةٌ غلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلعِنواْ بِمَا قَالواْ بَلْ يَدَاه مَبْسوطَتَانِ ينفِق كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهم مَّا أنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طغْيَاناً وَكفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهم الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كلَّمَا أَوْقَدواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّه وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللّه لاَ يحِبّ الْمفْسِدِينَ
يَسْعَوْنَ: سبأ/38
= وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ محْضَرونَ
يَسْعَى: القصص/20 يس/20 الحديد/12 التحريم/8 النازعات/22 عبس/8 (ست مرات)
= وَجَاء رَجلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا موسَى إِنَّ الْمَلأ يَأْتَمِرونَ بِكَ لِيَقْتُلوكَ فَاخْرجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ
= وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعوا الْمرْسَلِينَ
= يَوْمَ تَرَى الْمؤْمِنِينَ وَالْمؤْمِنَاتِ يَسْعَى نورهم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بشْرَاكم الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هوَ الْفَوْز الْعَظِيم
= يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنوا توبوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصوحاً عَسَى رَبّكمْ أَن يكَفِّرَ عَنكمْ سَيِّئَاتِكمْ وَيدْخِلَكمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَار يَوْمَ لا يخْزِي اللَّه النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنوا مَعَه نورهمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقولونَ رَبَّنَا اَتْمِمْ لَنَا نورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
= ثمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى
= وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى
ينطبق الكلام المتقدم من أن مفهوم السعي في القران لا يتعلق بالفهم الخاطئ لدى البعض بان السعي هو للرزق على جميع هذه الآيات. حتى كلمة السعي في الآية الأولى أعلاه تعني السير والحركة بحركة أبيه. ونحن نعلم أن في هذا اشارة الى بلوغ اسماعيل السن التى يستطيع فيها مساعدة أبيه في رفع القواعد من البيت الحرام.
والمفهوم الصحيح في القران هو تعلق السعي بالذكر والعمل الصالح للآخرة، كما ورد ثلاث مرات في الآية 19 من سورة الإسراء:
ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن
فأولئك كان سعيهم مشكورا
يوجد من محبّي الجدل من ينقل الحديث في هذا الموضوع من القران إلى الحديث إمّا واهما أو مضللا. فالمسلم يعلم أوثق العلم بان لا تعارض بين كلام الله وكلام رسوله. والأولى بهؤلاء أن يتوقفوا عند هذا الحد الذي وقف القران عنده، وان لا يكشفوا عن جهلهم بالحديث بإيرادهم أحاديث لا تخدم في معناها الصحيح المعنى الذي يرمون إليه. ولعل من الأفضل في هذا المقام إيراد بعض الأحاديث الصحيحة لتأكيد المعنى الذي ورد في القران، وترك الأحاديث التي أوردوها.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضى الله عنه ـ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلاً، فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ".
هذا الحديث من صحيح البخاري ورد تحت عنوان التعفف عن المسالة ولم يرد في الحض على السعي إلى الرزق. فالمعنى أن لا لوم على الرجل الذي لا يسعى إلى الرزق حتى يبدأ بسؤال الناس، فلهم عندها مُسائلته.
عَنْ اَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَكَانَ اَحَدُهُمَا يَأتي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم
وَالاخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَا الْمُحْتَرِفُ أخَاهُ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ "لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ".
هذا الحديث رواه الترمذي بإسناد صحيح على شرط مسلم يدل على فضل الزهد، وهو يُذَكّر المنفقين على غيرهم أن الله يرزقهم بهؤلاء الغير وإن اشتكوا منهم انهم عاطلين عن العمل مقصرين في السعي في طلب الرزق.
الذين يجادلون حتى بعد سقوط ما افترضوا وجوده في القران وفي الحديث ينتقلون إلى القول بان السعي في طلب الرزق سنّة النبي، فقد كان النبي نفسه راعيا ثم تاجرا. والرد البسيط على هذا القول هو أن النبي عندما بلغ الأربعين ونزل عليه الوحي تفرَّغ للعباده. وقد نُقل عن ابن عباس أن أهل المدينة كانوا إذا بلغ احدهم أربعين سنة تفرغ للعباده. فلماذا يعيب البعض على من تجاوزوا الأربعين تفرغهم لعبادة الله؟ فالله الذي وهب لك كل النعم له عليك المنّة والفضل، وأن تقابل نعمه بان تهب له الأفضل من سِنِيّ عمرك، لا أن تنتظر حتى تعجز عن العبادة، ويصبح وقتك بلا مردود.
هناك أحاديث تفيد بان الأنبياء كانوا يعملون. لنأخذ المثال التالي:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أكل أحد طعاما ً خيرا ً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده." رواه البخاري.
هذا الحديث لا يدل بالضرورة على أن الأنبياء كانوا يسعون في طلب الرزق. فالنبي داود كان يأكل في البداية من بيت المال، فأحب أن لا يكون عالة على المستحقين، فعلّمه الله صنعة لبوس. لكن هذا لا يعني انه تفرغ للعمل، بل ورد انه كان يصنع الدرع ويبيعه ويأكل من ثمنه ولا يصنع درعا جديدا حتى يكون قد انفق دخله من الأول.
ولعل المجادلين الأكثر فشلا هم الذين ينتقلون بسرعة فائقة من موضوع القران إلى موضوع الحديث إلى الخلفاء الراشدين عموما. وقد اتضح من تشعبات الجدل في هذا الصدد إيراد المجادلين للقول المشهور عن الخليفة عمر بن الخطاب: أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة. قد يكون صحيحا انه قالها لشخص عاطل عن العمل جالس في المسجد، لكن الدافع لم يكن للحث على السعي إلى الرزق، وإنما للمحافظة على الدين.
فقصة عمر بن الخطاب هي انه دخل إلى المسجد فوجد رجلا عرف منه انه لا يعمل اعتمادا منه على معنى الحديث: لو توكَّلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خِماصاً وتعود بِطانا. فقال له عمر إن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، وذلك في إشارة واضحة إلى فهم الرجل المجزوء لحديث رسول الله. فالرجل يؤمن بان الرزق من السماء وهو محق في ذلك، لكن عدم التوكل على الله "حق" التوكل ينقل المسألة إلى بند التواكل وعدم الأخذ بالأسباب، وهنا تكمن الخطورة على الدين والإيمان الكافية لأن تحرك في الخليفة الراشد وقفة المدافع الذي لا يتزعزع.
كيف فهم بعض التابعين مسألة التوكل على الله حق التوكل؟ قال الفضيل بن عياض: لو علم الله منك إخراج المخلوقين من قلبك لأعطاك كل ما تريد. ما أحوجنا إلى فهم هذا الكلام في هذا الزمان، فقد امتلأت قلوبنا باليقين على المخلوقين ابتداء من الذات إلى الابن والقريب الغني، ورب العمل الذي يدفع لنا راتبنا الشهري، أو راتب المعاش أو التقاعد أو الضمان الاجتماعي، والمصرف الذي يمدنا بالقروض متى شئنا. فلا نستحي ان نقول أننا لو جلسنا في المسجد فان الله لا يرزقنا! فهلا أخرجنا المخلوقين من قلوبنا أولاً وتيقّنّا على الله حقا ثم جلسنا وطلبنا الرزق؟
وقد فسر الإمام احمد مفهوم التوكل فقال: هو قطع الاستشراف باليأس من المخلوقين. قيل له فما الحجة فيه؟ قال: قول إبراهيم لمّا أُلقي في النار، فعرض له جبريل فقال: ألك حاجه؟ قال إبراهيم: أما إليك فلا. ما أدقّ هذا الفهم للفضيل بن عياض، وهذا التفسير للأمام احمد لناحية إخراج المخلوقين من القلب وانفراد الله فيه. وما اروع التطبيق العملي من سيدنا إبراهيم، ليس في قلبه احد سوى الله، لا يشغله عنه شاغل حتى لو كان ذلك الموت احتراقا في نار عظيمه، فاستحق بذلك نصرة الله المباشرة الفورية لان يقينه بالله خالص له متواصل لا ينقطع.
الحديث عن حق التوكل، أي التوكل الحقيقي، ينقلنا إلى المثال الأرسخ في هذا الموضوع: مريم ابنة عمران. اعتكفت في المحراب فكفلها الله لزكريا الذي كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا (وليس وجد عندها طعاما) أي من السماء وربما من الجنه. فكأنه كلما جاء إليها زكريا ليسألها إن كانت تحتاج شيئا كان الجواب ماثلا أمام عينيه دون أن تتكلم معه، أي أنها لم تحتج منه شيئا. مراد الله كان أن لا يدخل جوف مريم إلا طعاما حلالا لتنبت منه نباتا حسنا.
وقد قيل لي أن هذا الذي حدث لمريم كان بسبب أنها في مرتبة الأنبياء، فقلت إن هذا بسبب حق توكلها على الرزاق ذي القوة المتين. وأن الكرامة لمريم يمكن لها أن تكون لأي بشر وصل بأيمانه إلى مرتبة حق التوكل على الله. وما حدث مع مريم لا يحدث لاحدنا لان حق توكلنا هو على من يعولنا، أو على راتبنا آخر الشهر، أو على انفسنا لاقتناعنا بان رزقنا إنما يتحصل بسبب سعينا الشخصي ليس إلاّ.
يقول المجادلون لمن لا يسعى في طلب الرزق: لو جلسنا جميعا في المساجد فهل يأتينا رزقنا إلى المساجد؟ ولو جلسنا جميعا في المساجد فمن يدير الاقتصاد؟ والحقيقة هي أن من لا يسعى إلى الرزق لا ينادي بالضرورة بان يجلس المسلمون في المساجد ولا يفترض بان يترك الجميع الاقتصاد من دون من يديره.
وإذا كان كل منّا ميسر لما خلق له، فإن الله سوف يهيئ كلّاً منّا لتغطية جانب من جوانب حياتنا، لا نستثني من ذلك الحاجة إلى من يتفقه في الدين. فقد طالبت الآية 122 قبل نهاية سورة التوبة بذلك:
... فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ...
فالحكمة إذاً في أن لا ننصرف جميعا إلى الجلوس في المساجد، ولا أن تأخذنا الدنيا الفانية ببريق الذهب وفتنة المال فنتجه جميعا إلى الاقتصاد والمال والأعمال.
ما اروع الكلام الذي قاله الصحابي أبو الدرداء:
"كنت تاجرا قبل أن يبعث النبي، فلما بُعث النبي أردت أن أجمع بين التجارة والعبادة فلم يستقم، فتركت التجارة وأقبلت على العبادة. ما أُحب أن لي اليوم حانوتا على باب المسجد لا يخطئني فيه صلاة، أربح فيه كل يوم أربعين دينارا وأتصدق بها كلها في سبيل الله. قيل له وما تكره من ذلك؟ قال شدّة الحساب. ما أقول أن الله عز وجل لم يُحل البيع ويُحرم الربا، ولكن احب أن اكون من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله".
بمثل هذا الكلام الرائع وهذا الفهم الراقي للقرآن وهذا التأسّي الحسن بالنبي القدوة استحق أبو الدرداء صحبة النبي. وبمثل فهم المجادلين في هذا العصر استحقوا صحبة المال والجاه والولد.