
الجــبــال
============
قلت لهم أجدها في كتاب الله
-
فقالوا لي لا نجدها في كتب البشر
يريدونني أن أفهم كلام الله من كلام مشايخهم
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ
قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ
ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا
ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
(الآية 260 من سورة البقرة)
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تَبْعَثُ الْمَوْتَىٰ
قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَقَطِّعْهُنَّ إِلَيْكَ
ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ (من الطير) قِطْعَةً
ثُمَّ ادْعُهُنَّ (الطَّيْر) يَأْتِينَكَ سَعْيًا
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
=================================================
لو كان مفهوم "إحياء الموتى" هو ذاته مفهوم "بعث الموتى"
لكان إبراهيم هو ذات الرجل الذي مرَّ على قرية في الآية 259
الإحياء من الموت
ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٦﴾
البعث من الموت
وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ ﴿الحج ٧﴾
إثبات خطأ الجواب أن الله أحيا "الطير" وليس "الجبال"
---------------------------------------------------------------------------------------
في الآية 258 من سورة البقرة قال إبراهيم "رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ". المشهد هنا للتراب الميّت الذي أحياه الله فخلق منه آدم.
في الآية 260 من سورة البقرة قال إبراهيم "رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ". دعاء إبراهيم فيه إشارة صريحة إلى مشهد إحياء التراب الميت ليخلق الله منه آدم. إبراهيم يريد أن يرى ما يشرح له مفهوم "الإحياء من الموت".
فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ
الآية 259 من سورة البقرة توسطت الآيتين اللتين ذكرتا إسم إبراهيم ولم تذكره هذه الآية التي شرحت مفهوم "البعث من الموت" لتثبت أن إبراهيم لو أمات الطير الحي لكان المشهد مشهدا يثبت مفهوم "البعث من الموت" وليس "الإحياء من الموت" الذي أراده إبراهيم. فالطير كان حيّا بدليل عبارة "فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ".
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ
وردت في الآية 21 من سورة النمل كلمة "لَأَذْبَحَنَّهُ" التي تُذَكِّرنا بتفاصيل الحدث في الآية 260 من سورة البقرة.
كلمتان في آية البقرة كانتا سبب الالتباس عند المفسرين ومن بعدهم عامة الناس. الكلمتان هما كلمة “فَصُرْهُنَّ” وكلمة "جُزْءًا". استشف المفسرون من هاتين الكلمتين مفهوم التقطيع والقطعة، وبعدها مباشرة التوزيع على الجبال.
بهذا نجد من الواضح أن المفسرين اجترأوا على نص آية البقرة بالوصول إلى مرحلة التقطيع دون ذكر عملية الذبح التي نقلت الطير من الحياة إلى الموت ثم إلى التقطيع والتوزيع في نظرهم. لقد سكت المفسرون عن ذكر عملية الذبح لأنهم لم يجدوا في الآية أيَّ كلمة تسمح لهم بتأويلها على أنها تعني الذبح.
هذا دليل إضافي على أن الطير ليس هو الجواب الصحيح على السؤال المستوحى من عبارة "ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا"، وأن الجبال هو الجواب الصحيح في آية البقرة.
قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ (الضمير يعود على
أقرب اسم له وهو هنا الطير الحي) إِلَيْكَ
ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ (الضمير يعود على أقرب
اسم له وهو هنا كلمة جَبَلٍ وهو لفظ مفرد لجمع
الجبال الموتى) جُزْءًا
ثُمَّ ادْعُهُنَّ (الجبال أحياها الله) يَأْتِينَكَ سَعْيًا
ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا
------------------------------------
ثم اجعل على كل جبل من الجبال جزءاً من الطير،
أي واحداً من الطير، لأن جزء الأربعة واحد صحيح
الضمير يعود على أقرب اسم له:
-----------------------------
الاسم الذي يعود عليه الضمير في: ثُمَّ "ادْعُهُنَّ" يَأْتِينَكَ سَعْيًا هو "جبل".
وبما أن العدد هو أربعة فإن المشار إليهن تكون "الجبال".
-
فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ ﴿طه٢٠﴾
مقابل
فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴿الأعراف 107﴾
أي أن العصا أصبحت فيها حياة وتسعى بإذن الله، فكذلك الجبال.
السعي هو المشي السريع والذهاب إلى مكان بقصد.
كلمة "الطير" ليست جمعًا سالمًا (لا مذكرًا ولا مؤنثًا)، بل هي جمع تكسير، وهو النوع
الشائع في العربية لجمع الكلمات التي لا تتبع الأوزان السليمة.
الضمير المؤنث في "يَأْتِينَك" يعود على "الطير"، لأن "الطير" جمع تكسير لغير العاقل،
فيُعامل معاملة المؤنث لغويًّا، حتى لو كان مفرده مذكرًا (طائر).
الضمير المؤنث "مِنْهُنَّ" في الآية يعود ضمناً على الجبال (رغم ذكرها بصيغة المفرد
"جَبَل" لتفريق التوزيع)، لأنها في المعنى جمع تكسير غير عاقل، فتخضع للقاعدة النحوية
التي توجب إسناد الأفعال والضمائر للمؤنث مع جموع غير العاقل.
في الآية 258 قال إبراهيم "رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ". موضوع الآية هو مفهوم "الإحياء من الموت". ورد إسم "إبراهيم" في هذه الآية، وهي متعلقة بشخص إبراهيم بشكل مباشر.
في الآية 260 قال إبراهيم "رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ". موضوع الآية هو مفهوم "الإحياء من الموت". ورد إسم "إبراهيم" في هذه الآية، وهي متعلقة بشخص إبراهيم بشكل مباشر.
بين الآيتين أعلاه وردت الآية 259 ولم يُذكر اسم إبراهيم فيها، وهي ليست متعلقة بشخص إبراهيم بشكل واضح. موضوع هذه الآية هو مفهوم "البعث من الموت".
بيَّنت الآية أن الله أمات الرجل الحي مائة عام "ثم بعثه" وليس "ثم أحياه". فلو أن إبراهيم أمات الطير بالذبح والتقطيع لكان دعاؤه أن يقول: رب أرني كيف "تبعث" الموتى، وليس رب أرني كيف "تُحيي" الموتى.
الله العزيز الحكيم يعلم حقيقة دعاء إبراهيم. وإبراهيم يفهم الفرق بين مفهوم "الإحياء من الموت" (من التراب إلى آدم) ومفهوم "البعث من الموت" (يوم القيامة). الطير في يد إبراهيم دليل مادي محسوس ملموس يضعه إبراهيم على الجبال فتحيا الجبال بإذن الله. فلو أن الله أحيا الجبال بـ “كن فيكون” لما رأى إبراهيم كيف يحيي الله الموتى.
لو كان مراد الله من كلمة فَصُرْهُنَّ هو قَطِّعهن، لكان الله استعمل كلمة قَطِّعهن.
روح + جسد = يعادلهما = طير + جبل
لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
==================================================================================
المفسرون القائلون بأن "الطير" هن موضوع الآية 260 من سورة البقرة (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ)، وليس "الجبال"، إنما يفترون على الله الكذب ويقولون على الله ما لا يعلمون، يذهبون إلى أن الله لم يعلم أن إبراهيم يريد أن يرى الإحياء من "الموتة الأولى"، وهي التي كان موضوعها "التراب" الذي خلق الله منه آدم.
ومن ناحية أخرى يتهم هؤلاء المفسرين إبراهيم بأنه لم يعرف الفرق بين مفهوم "الإحياء من الموت" ومفهوم "البعث من الموت". والحقيقة أن إبراهيم على يقين بأن البشر يحيون في الدنيا ثم يموتون ثم يبعثون يوم القيامة. أما أصل الإحياء من التراب ليخلق الله منه أول البشر آدم فقد أصبح من الماضي، ويريد إبراهيم أن يسترجعه من خلال رؤيته بالعين فقد كان هذا أساس إيمانه بالله الخالق الذي يحيي ويميت.
في الآية 259 من سورة البقرة أمات الله مُنْكِرَ البعث ليعيش تجربة عملية تبين له أن الله قادر على البعث، وأن الله على كل شيء قدير. أما في الآية 260 فقد كان لدى إبراهيم من الإيمان ما يطمئن به قلبه لمجرد ما يُبَيِّنه الله له. هذا يعني أنه لم يكن هناك طير، ولم يدع إبراهيم الجبال، ولا سعت الجبال تلبية لدعوة إبراهيم، وكان واقع الحال هو بيان نظري لرؤية إحياء الموتى. لم يعرج إبراهيم إلى السماوات، ولم يَطُف حول الأرض: وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ.
وقد خُتمت الآية 260 من سورة البقرة بعبارة "وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" لبيان أن عزّة الله وحكمته هما موضوع هذه الآية. أما بيان قدرة الله على فعل كل شيء فقد ورد في الآية التي سبقت وهي برقم 259 وقد خُتمت بعبارة "قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".
ما كان على المفسرين أن يُجهدوا أنفسهم في تحديد أنواع الطير إلاّ أن الشيطان أوحى لهم أن معنى "فَصُرْهُنَّ" هو قَطّعهن، وأن المراد من هذه الآية هو إثبات قدرة الله على أن يعيد إحياء الطير المقطّع على اختلاف أنواعه وأشكاله وألوانه فلا تكون ريشة مكان أخرى ولا عظمة في غير مكانها.
وإذا كان فعل الأمر "خُذ" يقابله الفعل "هاتِ"، بمعنى الأخذ والإعطاء، فقد يكون الله أعطى إبراهيم طيراً مسخراً، فيكون بذلك قد جنّب إبراهيم مشقة البحث عن الطير، وبذلك تنتفي حاجة المفسّرين لشرح عملية اختيار الطير بأنواعه.
ولو كان مراد الله من كلمة "فَصُرْهُنَّ" هو قَطّعهن، لكان الله قد استعمل كلمة قطِّعهن كما وردت في سورة يوسف "وَقَطّعْنَ أَيْدِيَهُنّ". ومن المؤكد في اللسان أنه لا يمكن استبدال أو تفسير مفردة واحدة في عبارة أو تركيب من كلمتين مثل "فَصُرْهُنَّ إِلَيْك"، فالمعنى لا يستقيم إذا حاولنا القول "فقطعهن إليك".
هناك فرق في المعنى بين "أرني كيف تحيي الموتى" و "أرني كيف تبعث الموتى".الإحياء هو موضوع الآية 260 في حين كان موضوع الآية 259 هو البعث بعد الموت: "فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ". فإذا كان البعث بعد الموت لمن سبق أن كانت فيه حياة، فإن الإحياء متعلق بإدخال الروح في شيء ميّت لم يسبق له أن كانت فيه حياة: "كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ". إبراهيم يعرف البعث ويؤمن به، ولكنه يريد أن يعرف الإحياء ليؤمن به.
قال الله لإبراهيم خذ أربعة من الطير فصرهن إليك، أي أمسكهن واجعلهن في حوزتك، وليس على الشجر أو في جو السماء. ذلك أن الطير رمز الروح كما في الآية: "وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ"، وكما هو حال الطير من الطين مع عيسى وإحيائه للموتى. وَضْعُ الطير على الجبال كما هو نفخ الروح فيها.
ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا، كلمة "جُزْءًا" هنا لا تعني التجزئة والتقطيع إلى أجزاء، وإنما تعني حصّة أو نصيبا أو قسما كما في الآية: "وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا"، وكما في الآية: "لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ". الطير جزء الجبل، وهو كالروح تدخل إلى الجسد فتحييه. بعد أن جعل إبراهيم جزء الطير على الجبال حَييت من موتها، وأمكنه أن يدعوها فتأتيه سعيا ويطمئن قلبه بهذا الجواب لسؤاله.
"فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚكَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ". ضرب بنو إسرائيل الميّت ببعض البقرة التي أمرهم الله أن يذبحوها فأحياه الله بإذنه. وكذلك النبي إبراهيم أمره الله أن يجعل جزءا من الطير على أربعة من الجبال، وأشار عليه أن يدعوهن فيأتينه سعياً.
ثم ادعهن أي الجبال التي أحياها الله بالطير الروح الذي جعله إبراهيم عليها. من المرجح من ظاهر الآية أن إبراهيم لم يدع الجبال لتأتيه سعيا، فهو مؤمن بالله، والآن اطمأن قلب إبراهيم من خلال هذه التجربة العملية. وهذا على خلاف ما جرى في الآية السابقة 259 فقد أمات الله الرجل الشاك في قدرة الله، وأراه الله قدرته على إماتته مائة عام ثم إحيائه، كما أراه الله كيف أنه ينشز العظام ثم يكسوها لحما، وهكذا قال أنه الآن يعلم أن الله على كل شيء قدير.
معلوم أن الله إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون. ولو أراد الله أن يحيي الجبال لأحياها على نفس المبدأ. لكن إبراهيم طلب رؤية عملية الإحياء، فكان لا بد له من وجود دليل مادي محسوس، فكان وجود الطير كما كان وجود بعض من البقرة عندما أحيا الله الميت القتيل.
الموتى الذين عناهم إبراهيم هم الذين لم يسبق لهم أن كانوا أحياء، وهذه هي الموتة الأولى حين كان آدم في طور التراب. أمّا من سبق له الحياة ثم مات فإن إحياءه يسمّى بعثاً، كما في الآية السابقة عن الذي مرّ على القرية وأنكر البعث، فأماته الله بعد أن كان حيّاً ثم بعثه. فلو أن إبراهيم ذبح الطير لكان طلب أن يريه الله كيف يبعث الموتى، أي الذين كانت فيهم حياة ثم ماتوا.
من تلبيس الشيطان على المسلم أن يصرفه عن كلام الله في كتاب الله إلى كتب المفسّرين، وأن ينقله بعيدا عن الموضوع الأصلي في الآية.
ليس بالضرورة أن تقنعني بأن إبراهيم دعا الطير، ولا أن أقنعك بأن إبراهيم دعا الجبال. ذلك أن فهم معاني القرآن فتح من الله وليس من تفسير المفسّرين.
الحجّة فيما قاله الله في القرآن أو ما قاله النبي في الحديث.
عبارة "فصرهن إليك" لا تعني "قطّعهن"، ولو قال بها كل المفسرين. ذلك أن مفهوم التقطيع وارد في القرآن الكريم. وعليه فلو أن الله أراد من إبراهيم أن يقطّع الطير لقال له قطّعهن:
عبارة "فصرهن إليك"هي تعبير من كلمتين، ولا يستقيم المعنى في الآية بتفسير كلمة "فصرهن" وترك كلمة "إليك" زائدة أو حشوا، فمعلوم أن كلام الله ليس فيه حشو ولا زيادة. فلا يستقيم المعنى عند القول: "فقطعهن إليك". والمعنى في الآية هنا "ضُمَّهن" إليك.
===========================================================
في لسان العرب: "في صرّة أي في جماعة لم تتفرق”.
الصرّ الصُّرَّة صُرّة الدراهم وغيرها معروفة. وصررت الصرة: شددتها. وفي الحديث: أن النبي قال لجبريل: "تأتيني، وأنت صارّ بين عينيك"، أي مقبض جامع بينهما كما يفعل الحزين.
وأصل الصرّ: الجمع والشد.
===========================================================
صَرَّ
[ص ر ر]. (فعل: ثلاثي لازم متعد بحرف). صَرَرْتُ، أَصُرُّ، صُرَّ، مصدر صَرٌّ.
1. :-صَرَّتِ الدَّرَاهِمَ فِي الصُّرَّةِ :- : وَضَعَتْهَا.
2. :-صَرَّتِ الصُّرَّةَ :- : رَبَطَتْهَا بِإِحْكَامٍ. :-ذَهَبَتْ تَرْتَدِي مَلاَءتَهَا وَتَصُرُّ ثِيَابَهَا.
3. :-صَرَّ النَّاقَةَ أَوْ بِهَا :-: شَدَّ ضَرْعَهَا بِالصِّرَارِ لَئِلاَّ يَرْضَعَهَا وَلَدُهَا.
4. :-صَرَّ الفَرَسُ أَو الحِمارُ أو الكَلْبُ أُذُنَهُ وَبِأُذُنِهِ :- : نَصَبَها للاِسْتِماعِ.
هل أخذ إبراهيم أربعة من الطير، وجعلها على أربعة جبال،
فأحيا الله الجبال، ثم دعا إبراهيم الجبال فأتت إليه سعيا؟
الجواب قطعا بالنفي لأنه ليس في الآية ما يدل على ذلك، ولأن تطبيق التجربة على أرض الواقع سوف ينتهي بإبراهيم أن يقول: صدق الله العظيم فيما قاله لي بالتمام والكمال. ولكن لدى إبراهيم من الإيمان واليقين ما أقنعه بعدم إجراء التجربة، وذلك من باب "لا تجرِّب الرَّبَّ إلهك"، وأن كلام الله يغني عن المشاهدة العملية، فكأن إبراهيم رأى رأي العين.
في الآية السابقة تفصيل جعل منكر البعث يقر بأن الله على كل شيء قدير. أما في هذه الآية فإن الله الذي أرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض قد ختم الله الآية بحكمة عظيمة هي أن الله عزيز حكيم ليطمئن بها قلب إبراهيم.
أنزل الله الماء على الأرض فأحياها بإذنه
بنو إسرائيل يضربون القتيل ببعض البقرة فيحييه الله بإذنه
وإبراهيم يضع طائرا على جبل فيحيا الجبل بإذن الله
---------------------------------------------------------
- وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
- فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
- وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا
وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ
وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا
وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا
وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ
وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى
--------------------------------------------
https://youtube.com/clip/Ugkx9ppcPbw1_n1KPMeCoIDrIs-Us2o6CoE9?si=LZg2PnxP1M_D6bzX
سؤال إبراهيم
ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا
https://youtube.com/clip/Ugkx8c4lxKhO53MGNEXNbcABgdkHXJO8gPXB?si=0_vsO85iVQiJdHba
التي أتت سعيا هي الجبال
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا
قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا
+++
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى
+++
ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا
الطير جزء الجبل، وهو كالروح تدخل إلى الجسد فتحييه
بعد أن جعل إبراهيم جزء الطير على الجبال حَييت من موتها، وأمكنه أن
يدعوها فتأتيه سعيا ويطمئن قلبه بهذا الجواب لسؤاله
قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
سؤال إبراهيم عن إحياء الله الموتى من الموتتة الأولى، ومراده أن يطمئن قلبه بالجواب
الجواب من الله هو أنه يدعو الموتى فيأتون إليه أو يخرجون من الأرض تجاهه
الدعوة في سؤال إبراهيم لا تكون للطير لأن الطير حي، ودعوة الطير الحي لا تجيب على سؤال إبراهيم، لأن الذبح والتقطيع والتوزيع من خيال المفسرين
الدعوة في سؤال إبراهيم لا تكون إلآّ إلى الجبال الجامدة دون الطير الطائر، لأن الجبل ميت ليس فيه حياة. ودعوة إبراهيم للجبال هي التي يطمئن بجوابها قلبه
- وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ
- ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا
- وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ
للمستعجلين فقط
--------------------
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
أمْر الله في الشيء أن يقول له كن فيكون
بالكلمة يخلق الله الشيء حيّا، وبالدعوة يحييه بعد موت
في الآية السابقة لهذه كان المتشكك في إحياء الله للناس بعد موتهم جزءا من المشهد بأن أماته الله ثم أحياه وأنشز له العظام وكساها لحما
أمّا إبراهيم المطمئن قلبه بالإيمان اطمأن قلبه حين جعل بنفسه الطير (مقابل الأرواح) على الجبال (مقابل الأجساد) ودعاهن فأتينه سعيا. إبراهيم لم يشهد إحياء آدمي ولا طير ميْت فقط، بل إحياء الجبال الجامدة يدعوها فيأتينه سعيا
"يأتينك سعيا" أي تصير فيهن حياة
------------------------------
كما أن السقاية (مؤنث) غير الصواع (مذكر)، فإن الحيّة (مؤنث) ليست الثعبان (مذكر).
المقصود بكلمة حيّة هو أن العصا (الجماد) صار فيها حياة، وأن السعي هو دليل الحياة.
"يَأْتِينَكَ سَعْيًا" في آية البقرة 260، السعي هو دليل الحياة في الجبال (الجامدة).
الفعل "أتى" غير الفعل "جاء". في آية البقرة الجبال لم تتحرك وإنما صار فيها حياة.
الفعل "رأى" غير الفعل "شهد". الرؤية تكون نوعا من التصور الفكري وليس العملي.
"وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي" إطمئنان القلب عند إبراهيم يتحقق برؤية كيفية إحياء الله الموتى.
"قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ".
في هذه الآية لا يتحقق اطمئنان القلب بالرؤية النظرية بل يتعداها إلى المشاهدة العملية.
في آية البقرة اطمأن قلب إبراهيم بفهم عملية الإحياء التي كان فيها الطير رمزا للروح
والسعي دليل الحياة. وعليه فإنه لم يكن هناك ذبح ولا نتف ولا تقطيع للطير،
كما أن الجبال لم تتحرك من مكانها في هذه التجربة النظرية.
في قصة موسى "قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ" هناك ساخ الجبل فخرَّ موسى صعقا.
أمّا إبراهيم فلم يشاهد حركة للجبال ولم يخرّ صعقا وإنما فهم عملية إحياء الموتى.
دعوة الجبال
ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
قبلها
قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
قبلها
إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ
وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
إحياء الجبال الجماد هو إحياء من الموتة الأولى
وهذا كان سؤال إبراهيم
إحياء الطير الميت إحياء من الموتة الثانية
وهذا كان تفسير المفسرين للآية
يقولون أن الطيور الأربعة هي التي أتت سعياً. وإلاّ لماذا يذكر الله الطير الذي أحياه بعد ذبحه ونتفه وتقطيعه،
ثم يقول القائل أن الذي أتى سعياً هي الجبال؟ المشايخ بدّلوا الآيات بالمعجزات. قال تعالى في الآية 73 من
سورة البقرة:
فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ
كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
ضرب بنو إسرائيل الميّت ببعض البقرة التي أمرهم الله أن يذبحوها فأحياه الله بإذنه. وكذلك النبي إبراهيم أمره
الله أن يجعل جزءا من الطير على أربعة من الجبال، وأمره أن يدعوهن فيأتينه سعياً:
قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ
ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا
ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا
وهكذا أرى الله إبراهيم كيف يحيي الموتى من الموتة الأولى كما سأل. الجبال حَيَتْ من موتها وتأتي إبراهيم
سعياً إذا دعاها. السعي يكون من الأحياء وليس من الجماد. فالله يحيي بما يشاء، كما يشاء، متى يشاء.
لماذا بعث الله غرابا ولم يبعث حمامة أو دجاجة؟
لأن الغراب فاسق (ينقر الدم) وهو مقصود لهذا النعت.
----------------------------------------------------
لماذا أخذ إبراهيم طيراً دون تحديد نوع معيَّن؟
لآن الطير رمز للروح والحياة تستوي فيه أنواع الطير.
-----------------------------------------------------
لماذا كان عدد الطير لإبراهيم أربعة بالتحديد؟
لأن أقطار الأرض أربعة: شرقي وغربي وشمالي وجنوبي. وفي هذا بيان لتحكم الله بكامل الأرض.
الجزء
-----
استوحى المفسرون مشهد الذبح والتنتيف والتقطيع من كلمة "جزءاً" بمعنى قِطَعَاً. ولكن الكلمة لا تعني ذلك:
"وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا"، أي عددا وليس قطعا. وكذلك: "لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ"،
أي أن الكافر يدخل النار كاملا.
الطير
-----
الطير هو رمز الروح، وهذا واضح في عيسى ابن مريم يخلق من الطين كهيئة الطير ويحيي به الموتى.
الطير ليس الدجاجة والحمامة والعصفور، في الآية: وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا. ليس في عنق أحدنا طيرا، ويوم القيامة يعود كل طير لعنق صاحبه بالتحديد.
ولهذا السبب كان عدد الطير في الآية محددا بأربعة، ولكن دون تحديد عدد الجبال.
الإحياء
-------
أعطى الله لإبراهيم القدرة على الإحياء بدعوته للجبال. وعند موسى كان المطلوب من بني إسرائيل أن يذبحوا
بقرة ليضربوا الميّت ببعضها فيحيا بإذن الله: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
طلب
النبي إبراهيم في سورة البقرة (2:260)
لم
يكن عن إثبات البعث بعد الموت، حيث كان
قد آمن بذلك وقلبه مليء بالإيمان.
بل
إنه كان يسعى لفهم كيفية إحياء الله للميت،
كما هو موضح في الآية:
"كيف
تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم"
(2:28).
في
الآية، عندما أمر الله إبراهيم بأخذ أربعة
طيور، فإن العبارة "ضع
جزءًا على كل جبل"
تشير
إلى أن الطيور كانت رمزًا للحياة أو
الأرواح.
وضع
إبراهيم هذه الرموز على الجبال ثم دعا
الجبال نفسها، وليس الطيور.
وهذا
يتماشى مع عبارة "ثم
ادعهن يأتينك سعيا"،
التي تشير إلى العرض المهيب للحياة التي
أُعطيت للجبال بأمر الله.
تفسير
هذه الآية يعكس عرض الله لإبراهيم علامة
عظيمة، وليس شيئًا محدودًا مثل إحياء
الطيور الصغيرة.
وهذا
يتماشى مع الآية:
"وكذلك
نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ليكون
من الموقنين"
(6:75). من
المحتمل أن التجربة كانت عرضًا رؤيويًا،
حيث شهد إبراهيم قوة الله العظيمة في
إحياء الجبال، مما عزز فهمه واطمئنان
قلبه.
في
الختام، يعزز هذا الفهم أن المشهد كان عن
إظهار قدرة الله على إحياء الميت بشكل
كبير وعالمي، يتناسب مع نطاق استفسار
إبراهيم.
"ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا" (البقرة 260)
--------------------------------------------------
اختلف المفسرون في مسألة أنواع الطيور الأربعة، التي أمر الله إبراهيم أن يصرهن إليه، كما اختلفوا في الكيفية التي أتت بها الطيور، ولكنهم اتفقوا على أن الطيور الأربعة هي التي أتت تلبية لدعوة إبراهيم.
الآية الكريمة من سورة البقرة (2:260)، خصوصًا عبارة "ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا" قد تم تفسيرها بطرق متعددة من قبل المفسرين. بينما يركز التفسير التقليدي على الطيور الأربعة المذكورة في الآية، فإن تفسيرًا مختلفًا يشير إلى أن التركيز يجب أن يكون على الجبال، مما يفتح مجالًا لفهم أوسع للآية.
نقاط
الاختلاف في التفسير:
التفسير
التقليدي والتركيز على الطيور:
يركز
المفسرون التقليديون مثل ابن كثير والطبري
على أن الله أمر إبراهيم عليه السلام بأن
يأخذ أربعة طيور، ويقطعها، ويضع أجزاءها
على الجبال.
وعندما
دعاها، أحيى الله الطيور لتأتي إليه في
haste،
مما يظهر قدرة الله على إحياء الموتى.
وهذا
التفسير يتماشى مع الآية التي تسبقها،
والتي تتحدث عن البعث.
التفسير
البديل:
التركيز
على الجبال:
من
هذا المنظور، يكون التركيز على الجبال
التي استجابت لدعوة إبراهيم.
فحسب
هذا التفسير، دعوة إبراهيم ليست موجهة
للطيور بل للجبال، التي هي في حالة سكون،
وتستجيب بدلاً من الطيور.
فالمعنى
هو أن الجبال تُمثل إحياءً أعمق؛ لأنه لا
حياة فيها، وبالتالي استجابتها لدعوة
إبراهيم تمثل علامة على قدرة الله على
إحياء حتى الجماد.
التحليل
اللغوي والسياقي:
يمكن
تفسير مصطلح "سَعْيًا"
بمعنى
استجابة سريعة، مما يشير إلى أن الجبال
نفسها يمكن أن تتحرك أو تستجيب في سياق
إظهار الحياة بعد الموت.
وقد
يؤدي التركيز على الجبال بدل الطيور إلى
فهم أعمق للآية، حيث أن الطيور في الأصل
هي كائنات حية ولا تُمثل "الموت"
بقدر
ما تُمثله الجبال.
الحجة
الرئيسة لصالح التفسير الجبلي:
إذا
كانت الطيور بالفعل حية ومدربة على
الاستجابة، فإن استجابتها قد لا تمثل
دلالة جديدة على قدرة الله.
لكن
إذا كانت الجبال، التي هي أشياء جامدة،
قد استجابت، فإن ذلك يكون علامة عميقة
على قدرة الله على إحياء ما كان ميتًا،
وهو ما يمثل آية أقوى.
هذا
التفسير يفتح مجالًا للتأمل في أن الآية
لا تقتصر على إحياء الكائنات الحية فقط،
بل تشمل القدرة الإلهية على الحياة بشكل
عام، سواء للكائنات الحية أو الجمادات.