في البدء أشكر الدكتور بشار على تضمين موضوع الآية 260 من سورة البقرة حلقة اليوم من البرنامج. وهنا لي ملاحظة هي أن فكرتي لن تصل إلى الدكتور أحمد إلاّ إذا قرأ ما كتبتُه على موقعي (على الصفحة بعنوان الجبال2) أو من خلال لقائي به شخصيا.
معلوم لدى أهل العلم بالقرآن أن سياق الكلام في الآيات وسياق الآيات في السور أساس في فهم المعاني والمرادات. واضح أن الدكتور أحمد نوفل يُسقط الآية 259 من حساباته وكأنها غير موجودة. ولا يفيد الدكتور أحمد تمسكه بأن الطير هو الجواب الصحيح بعد أن بيّنت له الفرق بين مفهوم “الإحياء من الموت” الذي يطلبه إبراهيم، ومفهوم “البعث من الموت” في الآية 259 الذي يستبعد أن يكون الطير هو الجواب. فلو أن إبراهيم أمات الطير بالذبح والتقطيع والتوزيع على الجبال كما يقول المفسرون لكان دعاء إبراهيم أن يقول: رب أرني كيف "تبعث" الموتى، وليس رب أرني كيف "تُحيي" الموتى.
في هذا المقام تفضل الدكتور أحمد بالقول أن معنى "فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ" هو أمسكهن أو ضُمَّهن إليك، وهذا صحيح. ولكنه بيّن أن الغاية من المسك أو الضم هو التعرف على الطيور (حفظ الطيور عن غيب) للتأكد من أن التي ذهبت هي التي رجعت. هذا الكلام من الدكتور أحمد قد يكون في المعاملات بين البشر وما يعتري هذه المعاملات من الغش والخداع والنصب والاحتيال. ولكن هل هذا وارد بين الله وخليله إبراهيم؟
ثم تابع الدكتور أحمد كلامه بالقول: “فلما تمزقهم مزقا …”. هذا الكلام يعني أن الدكتور أحمد متمسك بنظرية ذبح الطير وتقطيعه، ولكن ليس في الآية ذبح ولا تقطيع، فعبارة "فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ" دليل على حياة الطير وليس على ذبحه وتقطيعه. على الدكتور أحمد أن يراجع المادة التالية:
"فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ" تعني "ضُمَّهُنَّ إليك" ولا تعني "قَطِّعْهُن إليك"
-----------------------------------------------------
يبدو أن فهم المفسرين لكلمة “جُزْءًا” قد فرض عليهم أن يفسروا كلمة "فَصُرْهُنَّ" على أنها تعني فقطّعْهن. هنا نلاحظ أن المفسرين لم يراعوا كون كلمة فَصُرْهُنَّ مرتبطة ارتباطا وثيقا بكلمة "إليك" بحيث يشكلان معا تعبيرا غير قابل للتجزئة.
من المؤكد في اللسان أنه لا يمكن استبدال أو تفسير مفردة واحدة في عبارة أو تركيب من كلمتين مثل فَصُرْهُنَّ إِلَيْك، فالمعنى لا يستقيم إذا حاولنا القول "فقطعهن إليك”. فلو كان مراد الله من كلمة "فَصُرْهُنَّ" هو قَطّعْهن، لكان الله قد قال لإبراهيم قطِّعهن في إشارة إلى الطير. ذلك أن مفهوم التقطيع والقطع وارد في القرآن الكريم:
- وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ..
- فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ...
وعليه فإن المعنى المقصود في الآية هنا هو "ضُمَّهن إليك”.
في لسان العرب: "في صرّة أي في جماعة لم تتفرق”.
الصرّ الصُّرَّة صُرّة الدراهم وغيرها معروفة. وصررت الصرة: شددتها. وفي الحديث أن النبي قال لجبريل: "تأتيني، وأنت صارّ بين عينيك"، أي مقبض جامع بينهما كما يفعل الحزين.
وأصل الصرّ: الجمع والشد.
صَرَّ
ص ر ر فعل ثلاثي لازم متعد بحرف. صَرَرْتُ، أَصُرُّ، صُرَّ، مصدر صَرٌّ.
1. صَرَّتِ الدَّرَاهِمَ فِي الصُّرَّةِ - وَضَعَتْهَا.
2. صَرَّتِ الصُّرَّةَ - رَبَطَتْهَا بِإِحْكَامٍ. ذَهَبَتْ تَرْتَدِي مَلاَءتَهَا وَتَصُرُّ ثِيَابَهَا.
3. صَرَّ النَّاقَةَ أَوْ بِهَا - شَدَّ ضَرْعَهَا بِالصِّرَارِ لَئِلاَّ يَرْضَعَهَا وَلَدُهَا.
4. صَرَّ الفَرَسُ أَو الحِمارُ أو الكَلْبُ أُذُنَهُ وَبِأُذُنِهِ - نَصَبَها للاِسْتِماعِ.
ثم واصل الدكتور أحمد كلامه بالقول: “أما الجبل يجيني شو يسوّي …”. ومن قال لك أن الجبل سيجيء إلى عندك؟ إحياء الله للجبل فيه استجابة لطلب إبراهيم رؤية كيفية إحياء الموتى، ليس موتى البشر ولا ذبائح الطير. ومن قال لك أن الجبل سيجيء إلى إبراهيم بمجرد إحياء الله له؟ الجبل سيأتي إلى إبراهيم إذا دعاه كدليل على نشوء الحياة فيه.
معذور هو الدكتور أحمد عندما أخطأ في الحساب فقال في تناوله لكلمة "جزء" أعطني جزءا من الكتاب ليعني قطعة. لقد نسي الدكتور أحمد أن الكتاب جماد، في حين أن البحث هنا هو في تجزئة الطير الحي. واضح أن فكرة الذبح والتقطيع تسيطر على فكر الدكتور أحمد بحيث لا يمكنه استيعاب الفرق بين مفهوم الإحياء من الموت والبعث من الموت. ثم تابع الدكتور أحمد كلامه فضرب لنا مثل الرغيف ألذي جزء منه يعني قطعة، ونسي الدكتور أحمد أن الرغيف واحد، فإذا جَزَّأه فإن النتيجة الحتمية حصوله على قطع. أما الأربعة الطير الأحياء فجزؤهن طير واحد صحيح غير مقطّع. الغريب أن عالما بالقرآن الكريم باقتدار الدكتور أحمد يلجأ إلى ضرب الأمثال بالكتاب والرغيف ولا يفسر بعض القرآن ببعضه الآخر! كلمة جزء وردت في القرآن في ثلاثة مواضع:
- "ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا"
في الآية موضوع البحث تجزئة الطير الحي لا تنطبق.
- "وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا"،
كفار قريش قالوا الملائكة بنات الله وأعطوهم لله صحاحا غير مقطعين.
"لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ".
أهل النار يدخلونها صحاحا غير مقطعين ولا مفرومين.
وعليه فإن كلمة جزء تعني: قسم، نصيب، جماعة، مجموعة، فريق، وتنتفي عنها صفة الفرم والتقطيع.
وفي الختام صرّح الدكتور أحمد أن تفسيره "منطقي وواقعي" ففرض بذلك المنطق والواقع على كلام الله وكتاب الله. وهنا لا بد من التذكير أن التفسير الميسر لهذه الآية هو: يا إبراهيم، خذ أربعة من الطير الأحياء وضع طيراً واحداً على واحد من الجبال الأربع فتحيا هذه الجبال بإذن الله فترى بنفسك كيف يحيي الله الموتى، أي كيف يجعل الله حياة في شيء ميت أصلا لا حياة فيه كالتراب والجبال.
ولا بد هنا من التذكير بالخاتمة:
هل أخذ إبراهيم أربعة من الطير، وجعلها على أربعة جبال، فأحيا الله الجبال، ثم دعا إبراهيم الجبال فأتت إليه سعيا؟
الجواب قطعا بالنفي لأنه ليس في الآية ما يدل على ذلك، ولأن تطبيق التجربة على أرض الواقع سوف ينتهي بإبراهيم أن يقول: صدق الله العظيم فيما قاله لي بالتمام والكمال. من المؤكد أن لدى إبراهيم من الإيمان واليقين ما أقنعه بعدم إجراء التجربة، وذلك من باب "لا تجرِّب الرَّبَّ إلهك"، وأن كلام الله يغني عن المشاهدة العملية، فَكَأنَّ إبراهيم رأى إحياء الجبال رأي العين.
قال إبراهيم ربِّ "أرني" فكان له أن يتوقع رؤية بالنظر لعملية الإحياء كما في الآية السابقة 259 كما يلي:
- فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ
- وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ
- وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا
في الآية السابقة تفصيلٌ جعل منكر البعث يقر بأن الله على كل شيء قدير. أما في هذه الآية فإن الله الذي أرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض قد ختم الآية بحكمة عظيمة هي أن الله عزيز حكيم ليطمئن بها قلب إبراهيم.
السلام عليكم أخي د. بشار الشريف،
شاركت في هذه الحلقة بالحديث عن الآية 260 من سورة البقرة عند الدقيقة 30:00
بداية.
قسمت الموضوع إلى قسمين هما النفي والإثبات. تحدثت عن نفي أن يكون الطير هو جواب
السؤال، ولكن الرد على مداخلتي من د. أحمد نوفل تركز على نفي أن تكون الجبال هي
الجواب الصحيح.
أرجو أن تعطوني الفرصة لشرح الموضوع بشقيه النفي والإثبات.
أتمنى أن يكون هذا من خلال مقابلة شخصية مع د. بشار الشريف تليها عرض الموضوع
على الهواء من خلال البرنامج.
أؤكد لكم أنني أعي تماما ما أقول وأن الحقائق التي سأعرضها كلها من القرآن الكريم.
عند الدقيقة 30 من هذا المقطع تفضل الدكتور أحمد نوفل بالقول أن الضمير في الآية 260 من سورة البقرة يعود على الطير. أرجو من الدكتور أحمد أن يطلع على الرد التالي:
الضمائر في الآية على الطير وعلى الجبال بالتساوي
---------------------------------------------
"كلمة "الطير" وكلمة "الجبال جمع تكسير لغير العاقل يستعمل معها ضمير المؤنث الجمع أو المفرد
قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ (الضمير يعود على أقرب اسم له وهو هنا الطير الحي) إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ (الضمير يعود على أقرب اسم له وهو هنا كلمة جَبَلٍ وهو لفظ مفرد لجمع الجبال الموتى) جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ (الجبال أحياها الله) يَأْتِينَكَ سَعْيًا.
أنظر إلى حكمة الله في إيراد كلمة "جبل" مفردة وذلك اختبارا لتدبر القارئ لمراد الله من كلام الله، وتنبيهاً للقارئ أن لا يلتبس عليه الأمر فيظن أن المعني بالضمير الجمع هن الطير.
الضمير يعود على أقرب اسم له:
الاسم الذي يعود عليه الضمير في: ثُمَّ "ادْعُهُنَّ" يَأْتِينَكَ سَعْيًا هو "جبل". وبما أن العدد هو أربعة فإن المشار إليهن تكون "الجبال".
فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ ﴿طه٢٠﴾ مقابل فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴿الأعراف 107﴾، أي أن العصا أصبحت فيها حياة وتسعى بإذن الله، فكذلك الجبال. والسعي هو المشي السريع والذهاب إلى مكان بقصد.
كلمة "الطير" ليست جمعًا سالمًا (لا مذكرًا ولا مؤنثًا)، بل هي جمع تكسير، وهو النوع الشائع في العربية لجمع الكلمات التي لا تتبع الأوزان السليمة.
الضمير المؤنث في "يَأْتِينَك" يعود على "الطير"، لأن "الطير" جمع تكسير لغير العاقل، فيُعامل معاملة المؤنث لغويًّا، حتى لو كان مفرده مذكرًا (طائر).
الضمير المؤنث "مِنْهُنَّ" في الآية يعود ضمناً على الجبال (رغم ذكرها بصيغة المفرد "جَبَل" لتفريق التوزيع)، لأنها في المعنى جمع تكسير غير عاقل، فتخضع للقاعدة النحوية التي توجب إسناد الأفعال والضمائر للمؤنث مع جموع غير العاقل.
عند الدقيقة 31 من هذا المقطع تفضل الدكتور أحمد نوفل بالقول أن الجبل لا يتحرك.
الآيات التالية من القرآن تؤكد حركة الجبال بمشيئة الله يقول للشيء كن فيكون:
--------------------------------------------------------------------
وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا
وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ
وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا
وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا
وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ
وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ
أرجو من الدكتور أحمد نوفل أن يطلع على كامل الموضوع، وخاصة الخاتمة
الخـاتمـة
--------
هل أخذ إبراهيم أربعة من الطير، وجعلها على أربعة جبال، فأحيا الله الجبال، ثم دعا إبراهيم الجبال فأتت إليه سعيا؟
الجواب قطعا بالنفي لأنه ليس في الآية ما يدل على ذلك، ولأن تطبيق التجربة على أرض الواقع سوف ينتهي بإبراهيم أن يقول: صدق الله العظيم فيما قاله لي بالتمام والكمال. من المؤكد أن لدى إبراهيم من الإيمان واليقين ما أقنعه بعدم إجراء التجربة، وذلك من باب "لا تجرِّب الرَّبَّ إلهك"، وأن كلام الله يغني عن المشاهدة العملية، فَكَأنَّ إبراهيم رأى إحياء الجبال رأي العين.
قال إبراهيم ربِّ "أرني" فكان له أن يتوقع رؤية بالنظر لعملية الإحياء كما في الآية السابقة 259 كما يلي:
- فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ
- وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ
- وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا
في الآية السابقة تفصيلٌ جعل منكر البعث يقر بأن الله على كل شيء قدير. أما في هذه الآية فإن الله الذي أرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض قد ختم الآية بحكمة عظيمة هي أن الله عزيز حكيم ليطمئن بها قلب إبراهيم.
أرجو من الدكتور بشار الشريف أن يطلع على القسم المتعلق بعبارة "فصرهن إليك"
وهو على النحو التالي:
------------------------------------------------------------------------
يبدو أن فهم المفسرين لكلمة “جُزْءًا” قد فرض عليهم أن يفسروا كلمة "فَصُرْهُنَّ" على أنها تعني فقطّعْهن. هنا نلاحظ أن المفسرين لم يراعوا كون كلمة فصرهن مرتبطة ارتباطا وثيقا بكلمة "إليك" بحيث يشكلان معا تعبيرا غير قابل للتجزئة.
من المؤكد في اللسان أنه لا يمكن استبدال أو تفسير مفردة واحدة في عبارة أو تركيب من كلمتين مثل فَصُرْهُنَّ إِلَيْك، فالمعنى لا يستقيم إذا حاولنا القول فقطعهن إليك. فلو كان مراد الله من كلمة "فَصُرْهُنَّ" هو قَطّعْهن، لكان الله قد قال لإبراهيم قطِّعهن في إشارة إلى الطير. ذلك أن مفهوم التقطيع والقطع وارد في القرآن الكريم:
- وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ..
- فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ..
وعليه فإن المعنى المقصود في الآية هنا هو "ضُمَّهن" إليك.
في لسان العرب: "في صرّة أي في جماعة لم تتفرق”.
الصرّ الصُّرَّة صُرّة الدراهم وغيرها معروفة. وصررت الصرة: شددتها. وفي الحديث أن النبي قال لجبريل: "تأتيني، وأنت صارّ بين عينيك"، أي مقبض جامع بينهما كما يفعل الحزين.
وأصل الصرّ: الجمع والشد.
صَرَّ
ص ر ر فعل ثلاثي لازم متعد بحرف. صَرَرْتُ، أَصُرُّ، صُرَّ، مصدر صَرٌّ.
1. صَرَّتِ الدَّرَاهِمَ فِي الصُّرَّةِ - وَضَعَتْهَا.
2. صَرَّتِ الصُّرَّةَ - رَبَطَتْهَا بِإِحْكَامٍ. ذَهَبَتْ تَرْتَدِي مَلاَءتَهَا وَتَصُرُّ ثِيَابَهَا.
3. صَرَّ النَّاقَةَ أَوْ بِهَا - شَدَّ ضَرْعَهَا بِالصِّرَارِ لَئِلاَّ يَرْضَعَهَا وَلَدُهَا.
4. صَرَّ الفَرَسُ أَو الحِمارُ أو الكَلْبُ أُذُنَهُ وَبِأُذُنِهِ - نَصَبَها للاِسْتِماعِ.
عند الدقيقة 47 من هذا المقطع تفضل الدكتور أحمد نوفل بالقول أن معنى "فصرهن إليك" هو ضُمَّهن إليك، وهذا صحيح. ولكنه بيّن ان سبب الضم هو التعرف على الطيور للتأكد من أن التي ذهبت هي التي رجعت.
السؤال هنا: هل يستطيع إبراهيم أن يحتفظ بذاكرته أوصاف الطيور الأربع خاصة أن المفسرين قالوا إنها مختلفة؟
وإذا كان بين هذه الطيور طائر الطاووس، فهل يمكن لأحد من البشر على وجه الأرض أن يتعرف على الطاووس بدقة تمكنه من التأكد بأن الطاووس الذي ذهب هو ذاته الطاووس الذي رجع؟
والسؤال الأهم هو: أين كل هذه الخيالات في الآية؟
التفسير الميسر لهذه الآية هو: يا إبراهيم، خذ أربعة من الطير الأحياء وضع طيرا واحدا على واحد من الجبال الأربع فتحيا هذه الجبال بإذن الله فترى بنفسك كيف يحيي الله الموتى، أي كيف يجعل الله حياة في شيء ميت أصلا لا حياة فيه كالتراب والجبال.
من تلبيس الشيطان على المسلم أن يصرفه عن كلام الله في كتاب الله إلى كتب المفسّرين، وأن ينقله بعيدا عن الموضوع الأصلي في الآية.
الحجّة فيما قاله الله في القرآن أو ما قاله النبي في الحديث.
عبارة "فصرهن إليك" لا تعني "قطّعهن"، ولو قال بها كل المفسرين. ذلك أن مفهوم التقطيع وارد في القرآن الكريم. وعليه فلو أن الله أراد من إبراهيم أن يقطّع الطير لقال له قطّعهن:
عبارة "فصرهن إليك"هي تعبير من كلمتين، ولا يستقيم المعنى في الآية بتفسير كلمة "فصرهن" وترك كلمة "إليك" زائدة أو حشوا، فمعلوم أن كلام الله ليس فيه حشو ولا زيادة. فلا يستقيم المعنى عند القول: "فقطعهن إليك". والمعنى في الآية هنا "ضُمَّهن" إليك.
المسألة الأولى
---------------
في هذا المقطع تفضل الدكتور أحمد نوفل بالقول أن الضمير في جملة (ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ) يعود على الطير. وهذا خطأ.
الجواب الصحيح هو كما يلي:
قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ (الضمير يعود على أقرب اسم له وهو هنا الطير الحي) إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ (الضمير يعود على أقرب اسم له وهو هنا كلمة جَبَلٍ وهو لفظ مفرد لجمع الجبال الموتى) جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ (الجبال أحياها الله) يَأْتِينَكَ سَعْيًا.
المسألة الثانية
---------------
في هذا المقطع تفضل الدكتور أحمد نوفل بالقول أن معنى "فصرهن إليك" هو ضُمَّهن إليك، وهذا صحيح. ولكنه بيّن ان سبب الضم هو التعرف على الطيور للتأكد من أن التي ذهبت هي التي رجعت.
هذا يعني إغفال الآية 259 كلِّية.
لقد بينت في مداخلتي أن سياق الآية 260 من سورة البقرة يتكون من ثلاث آيات: في الآية 258 قال إبراهيم "رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ". موضوع هذه الآية هو مفهوم "الإحياء من الموت". ورد إسم "إبراهيم" في هذه الآية، وهي متعلقة بشخص إبراهيم بشكل مباشر. المشهد هنا للتراب الميّت الذي أحياه الله فخلق منه آدم.
في الآية 260 قال إبراهيم "رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ". موضوع الآية هو مفهوم "الإحياء من الموت". ورد إسم "إبراهيم" في هذه الآية، وهي متعلقة بشخص إبراهيم بشكل مباشر.
بين هاتين الآيتين المشتركتين في تناول مفهوم "الإحياء من الموت" وردت الآية 259 ولم يُذكر اسم إبراهيم فيها، وهي ليست متعلقة بشخص إبراهيم بشكل واضح. موضوع هذه الآية هو مفهوم "البعث من الموت" وليس مفهوم "الإحياء من الموت".
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ...
بيَّنت الآية أن الله أمات الرجل الحي مائة عام "ثم بعثه" وليس "ثم أحياه". فلو أن إبراهيم أمات الطير بالذبح والتقطيع والتوزيع على الجبال لكان دعاؤه أن يقول: رب أرني كيف "تبعث" الموتى، وليس رب أرني كيف "تُحيي" الموتى.
هناك فرق في المعنى بين "أرني كيف تحيي الموتى" و "أرني كيف تبعث الموتى". فإذا كان البعث بعد الموت لمن سبق أن كانت فيه حياة، فإن الإحياء من الموت متعلق بإدخال الروح في شيء ميّت لم يسبق له أن كانت فيه حياة: "كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ".
وعليه فإن التفريق بين مفهوم "الإحياء من الموت" ومفهوم "البعث من الموت" فيه إثبات خطأ الجواب أن الله أحيا الطير وليس الجبال، وخطأ القول أن إبراهيم دعا الطير ولم يَدْعُ الجبال.
الله العزيز الحكيم يعلم حقيقة دعاء إبراهيم. وإبراهيم يفهم الفرق بين مفهوم "الإحياء من الموت" (من التراب إلى آدم) ومفهوم "البعث من الموت" (يوم القيامة). الطير في يد إبراهيم دليل مادي محسوس ملموس يضعه إبراهيم على الجبال فتحيا الجبال بإذن الله. ولو أن الله أحيا الجبال بـ “كن فيكون” لمَا رأى إبراهيم كيف يحيي الله الموتى.